عادة ما يحفظ التاريخ ملاحم وأساطير تحكي لجيل بعد جيل. ومع تعاقب
الزمن يدون المؤرخون الأحداث والوقائع، بينما تبقى المآثر العمرانية شاهدة
ناطقة بما مر بها، تختزن حجراتها عبق السنين وتحفر على جدرانها وأبوابها
بصمات الأشخاص وجراح الماضي وأفراحه.
في الجنوب المغربي، وبالتحديد في
قرية أولاد جرار التي تبعد 100 كلم عن مدينة آكادير يقع «رياض عياد» وهو
قصر حاكم وقائد اشتهر بشجاعته وكرم أخلاقه، فذاع صيته بربوع الجنوب ليفرض
سلطته على أجزاء كبيرة منه. ولم تقتصر شهرة القائد عياد على سهل سوس
بالجنوب والمناطق المتاخمة له فحسب، بل شملت المغرب بأكمله حيث خصه السلطان
الحسن الأول بزيارة خاصة، أقام فيها بقصره الشهير بـ«رياض عياد» تكريما
منه لمن حافظ على سلطانه ورد الزحف الاستعماري عن القبائل المجاورة له. وقد
أرخ العلامة المختار السوسي في كتابه لحياة هذا القائد ومعاركه ضد
الاستعمار.
من شيمه وأخلاقه نسجت أساطير حول حياته الشخصية والعامة
ورغم أنه خلف أكثر من 50 ابنا فإن حكمه لم يستمر بعد وفاته، لكن عظمة القصر
وعمارته تركتا للمنطقة ما تفتخر به رغم رحيل القائد. فـ«رياض عياد» ظل
يستقبل الزوار من سياح أجانب ومغاربة، مما حدا بمالكيه الحاليين الى السعي
لضمه إلى قائمة الآثار المهمة وتحويله لمتحف للعمارة التقليدية باعتباره من
البيوت الأثرية النادرة، التي بقيت تقاوم الزمن لتدلنا على عبقرية العمارة
المغربية ومهارة الصانع التقليدي.
زائر «رياض عياد» يجد نفسه
مشدودا إلى عبقه التاريخي وإلى خصوصية عمارته، وقد شيد القصر على مساحة
كبيرة تسمح لأجنحته الكثيرة باتخاذ أماكن مميزة داخله سيّما منها تلك
المخصصة لاستقبال كبار الضيوف والوافدين، بينما باقي الأجنحة خصصت لإقامة
القائد عياد وأسرته وحاشيته. يمتاز القصر بطراز معماري فريد حيث الأسوار
المطوقة والأبواب الخشبية السميكة والجدران القوية، مما أكسبه جمالية.
وتتميز جدران القصر بالقوة والصلابة اذ تم بناؤها بالحجر السميك وهي مطلية
بالطين، فيما زينت واجهات أغلب الغرف بزخارف ونقوش فضية وذهبية. الأبراج
الملتحمة بجدران القصر تتخللها نوافذ صغيرة نصبت بها مدافع حربية مما يدل
على الدور الدفاعي الذي لعبه القصر على مدى حقب زمنية. أما الأبواب فهي
كبيرة الحجم تعلو إطارها زخارف ونقوش غاية في الجمال. للقصر ايضا حديقة
غناءة بمزروعاتها المتنوعة من نخيل وحمضيات وأحواض مائية.
ونظرا
لقدم القصر كانت حالته تسوء وتزداد فيه التصدعات مما أفقد مكوناته الزخرفية
بعض جماليتها وبريقها، لكن أهميته الإستراتيجية أمنياً وعسكرياً والتي
منعت الجيوش الفرنسية التي كانت تنطلق في حملات استعمارية صوب الصحراء من
تحقيق أهدافها تدفع زواره إلى اكتشاف ما يختزن من كنوز.